الشيخ عبد الغني النابلسي
39
كتاب الوجود
الذي تقوم به الأشياء وتثبت كما هو مشاهد معلوم بالبداهة ، وأيضا فإن الوجود لو كان مخلوقا لكان مقدرا محدودا مختلفا ، كما أن الحوادث كذلك ، والوجود كما هو معلوم مشاهد من حيث هو وجود قيوم على الحوادث ، مثبت لها ، غير مختلف في قوميته لكل شئ وتثبيته له ، فلا هو شئ أزيد منه في شئ آخره ، ولا أنقص ولا أقوى ولا أضعف ، ولا هو مقدر بمقدار في شئ دون مقدار في شئ آخر ؛ وإنما الأشياء مقدرة في أحوالها وإمكانها دون الوجود كما قال اللّه تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ أي الشئ ] فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( سورة الفرقان : 2 ) . وقال تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( سورة القمر : 49 ) . وقال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( سورة الرعد : 8 ) . وقال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( سورة الحجر : 21 ) . فالوجود - كما هو المشاهد - واحد مطلق عن جميع التقادير والتصاوير والقيود والحدود ، وقد تجلى وانكشف بجميع التقادير والتصاوير والقيود والحدود ؛ لأنه فاعلها وخالقها وصانعها على مقتضى علمه وإرادته وقدرته ، التي هي مراتب ذاته وخطرات أسمائه وصفاته ، وليس هناك في الإدراك العقلي غير وجود وقيود حدود قائمة بالوجود والقيود والحدود هي المعلومة المشهودة بالحس والعقل ، والوجود غيب عن الحس والعقل من حيث هو شهادة لهما من حيث ظهور القيود والحدود به ، فلو لم يكن اللّه تعالى هو ما قلنا عنه إنه الوجود لزم أن يكون هو ما قلنا عنه إنه القيود والحدود ؛ إذ قيد من تلك القيود وحد من تلك الحدود ، وهو باطل ؛ لأنه يكون مخلوقا « 1 » .
--> ( 1 ) من هذا الكلام يرى النابلسي أن مفتاح وحدة الوجود يمكن في مفهوم الوجود الحقيقي ، فالممكن لا وجود له مستقل عن الحق . إذن يحاول النابلسي أن يحل معضلة وحدة الوجود على مستوى مفهوم الوجود بتحديده بالحق دون الخلق ، ويتضح موقف النابلسي إذا أعطينا الاسم الإلهي ، القيوم مثلا ، فالحق هو القيوم في صور الخلق ، والممكنات لا تقوم بذاتها ، بل تقوم بالقيوم . إذن الوجود الواحد هو الحقيقي الذي تتقوم به الممكنات . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 54 ) ] .